التفتازاني

59

كتاب المطول

ان تجعل أمثال هذا من قبيل الاسناد إلى السبب * فان قيل كثيرا ما يطلق المجاز العقلي على ما لا يشمله هذا التعريف من نحو قوله تعالى ( شِقاقَ بَيْنِهِما و مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) وقول الشاعر يا سارق الليلة أهل الدار وقولنا اعجبنى انبات الربيع وجرى الأنهار ونحو قوله تعالى ( وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ) وقولنا نومت الليلة وأجريت النهر وما أشبه ذلك من النسب الإضافية والايقاعية * فالجواب ان المجاز العقلي أعم من أن يكون في النسبة الاسنادية أو غيرها فكما ان اسناد الفعل إلى غير ما حقه ان يسند اليه مجاز فكذا ايقاعه على غير ما حقه ان يوقع عليه وإضافة المضاف إلى غير ما حقه ان يضاف اليه لأنه جاز موضعه الأصلي فالمذكور في الكتاب اما تعريف للمجاز العقلي في الاسناد خاصة أو لمطلقه باعتبار ان يجعل الاسناد المذكور في التعريف أعم من أن يدل عليه الكلام بصريحه كما مر أو يكون مستلزما له كما في هذه الأمثلة فإنه جعل البين فيها شاقا والليل والنهار ماكرين والليلة مسروقة والامر مطاعا وكذا فيما جعل الفاعل المجازى تمييزا كقوله تعالى ( أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) لان التمييز في الأصل فاعل فتدبر فإنه بحث نفيس * واعلم أن هذا المجاز قد يدل عليه صريحا كما مر وقد يكون كناية كما ذكروا في قولهم سل الهموم انه من المجاز العقلي حيث جعل الهموم محزونة بقرينة إضافة التسلية إليها فافهم وقس ولا تقصر المجاز العقلي على ما يفهم من ظاهر كلام السكاكى والمصنف ( وقولنا ) في التعريف ( بتأول يخرج نحو ما مر من قول الجاهل ) انبت الربيع البقل رائيا الانبات من الربيع فهذا الاسناد وان كان إلى غير ما هو له لكن لا تأول فيه لأنه مراده ومعتقده وكذا شفى الطبيب المريض ونحو ذلك مما يطابق الاعتقاد دون الواقع ويخرج أيضا الأقوال الكاذبة فإنه لا تأول فيها * فان قلت أي سر في بيان فائدة هذا القيد وليس هذا من عادته في هذا الكتاب ثم أي سر في التعرض لاخراج نحو قول الجاهل دون الأقوال الكاذبة وهذا القيد يخرجهما جميعا * قلت السر فيه ان صاحب المفتاح عرف المجاز العقلي بأنه الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأول إفادة للخلاف لا بواسطة وضع وقال انما قلت خلاف ما عند المتكلم دون ما عند العقل لئلا يمتنع طرده بمثل قول الدهري انبت الربيع البقل وعكسه بمثل قولنا كسا الخليفة الكعبة إذ ليس في العقل امتناع ان يكسو الخليفة نفسه الكعبة وانما قلت لضرب من التأول ليحترز به عن الكذب * واعترض المصنف عليه بانا لا نسلم بطلان طرده بما ذكر